أبو نصر الفارابي
104
كتاب السياسة المدنية
أو بهما جميعا . وأن لا ينال إذا أريد بمكروه وينال هو غيره بالمكروه إذا أراد . فإن هذه عندهم حال من أحوال الغبطة ويستأهل بها الإنسان الكرامة عندهم « 1 » . والأفضل في هذا الباب يكرّم أكثر . وإما أن يكون الإنسان ذا حسب عندهم ، والحسب عندهم يرجع إلى أحد الأشياء التي سلفت وذلك أن يكون آباؤه وأجداده إما موسرين وإما أن تكون اللذة وأسبابها واتتهم كثيرا وإما أن يكونوا غلبوا من أشياء كثيرة ، وإما أن يكونوا نافعين لغيرهم من هذه الأشياء - إما لجماعة وإما لأهل مدينة - وإما أن يكون قد تأتت لهم آلات هذه من جمال أو جلد أو استهانة بالموت ، فإن هذه من آلات الغلبة « 2 » . وأما الكرامة التي تتساوى فربما كان باستيهال عن شيء آخر خارج ، وربما كان نفس الكرامة هو الاستيهال حتى يكون الإنسان الذي ابتدأ فأكرم مستأهلا بإكرامه أن يكرمه الآخر ، على مثال ما عليه المعاملات السوقية . فالمستأهل للكرامة عندهم أكثر هو رئيس من سبيله أن يكرم أقل ، ولا يزال هذا التفاضل يرتقي إلى أن ينتهي إلى من يستأهل من الكرامات أكثر مما يستأهله كل من في المدينة سواه . فيكون ذلك هو رئيس المدينة وملكها . فإذا كان كذلك فينبغي أن يكون ذلك هو الذي يكون له من الاستيهال أكثر من استيهال كل من سواه . والاستيهالات التي عندهم هي التي عدّدناها .
--> ( 1 ) يشترك أهل مدينة الكرامة مع أهل مدينة التغلب في حب الغلبة . ( 2 ) كرامة الحسب أو النسب إلى أهل كرام ، من أهل أمجاد العرب ، ويبدو أن الفارابي ، ذا الأصل التركي ، لا يأبه لها .